قال الناظم رحمه الله:
[[18- وَتَرْجِعُ الأَحْكَامُ لِلْيَقِيْنِ *** فَلَا يزِيْلُ الشَّكُّ لِلْيَقِيْنِ]]
اشتمل هذا البيت على إحدى القواعد الفقهية الكبرى التي يَندرج تحتَها ما لا يُحصى مِن المَسَائل، حتى قال أهل الفنّ: إنها تدخل في جميع أبواب الفقه. قال العلائي: يمكن رجوع غالب مسائل الفقه إلى هذه القاعدة إما بنفسها وإما بدليلها.
وعبَّروا عنها بـ (اليقين لا يزول بالشك) و(ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين) و (الثابت لا يزول بالشك) وقال الإمام الشافعي: «وأصل ما أقول من هذا: أني أُلزم الناس أبدًا اليقين وأطرح عنهم الشَّك».
ترجع: أي تُردُّ وتُعتَبر وتُبنى على اليقين. فمثلًا: شكَّ هل طلَّق امرأته فيرجع أي يَبني على أصل النكاح، وشكَّ هل طافَ الخامس؟ فيبني على أربعة لأنه المتيقّن.
الأحكام: أي الشرعية، ويذكرون أنَّه ينتظم تحت القاعدة جميع الأحكام. والمراد التي يَطرأ عليها شك. والحُكْم لغة: المنع. وفي الاصطلاح: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. والحكم الشرعي: خطاب الشارع المتعلِّق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير.
لليقين: اليقين هو التحقق من الشيء، والعلم المطابق للواقع. والمقصود باليقين هنا: الحكم السَّابق الثابت بيقين، أما اليقين الذي في نفس المكلَّف فإنَّه يهتز ويضعف بالشك.
فَلَا يزِيْلُ الشَّكُّ لِلْيَقِيْنِ: هذه العبارة فيها قلق من حيث المعنى والمبنى، ومراد المصنف: «لا يُزيلُ الشكُّ اليَقِيْنَ»، وقد عبَّر بهذا بعضهم عن هذه القاعدة، وعبَّر بعضهم بمعنى مقارب فقال: «الشكُّ لا يُعارضُ اليقينَ».
الشك: اصطلحوا على أنه -في مراتب المدركات-: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ. وهو في اللغة: مرادف للظنّ. وعند الفقهاء: مطلق التردُّد سواء استوى الاحتمالان أو كان أحدهما أرجح.
والمراد بـ (الشكّ) في القاعدة: الشَّك العارض للمكلّف بسبب اشتباه بعض أسباب الحكم عليه وخفائها لنسيانِهِ وذهوله أو لعدم معرفته بالسبب القاطع للشك، ويقع كثيرًا في الأفعال وفي الأعيان.
الأحكام الشرعية مِن عبادات ومُعاملات تُبنى على اليقين والجزْم بدون تردُّد وتحيُّر وتوهُّم واضطراب. والأصل المتفق عليه أنَّ ما كان ثابتًا متيقنًا فلا يرتفع بمجرَّد طروء الشك عليه. فالأمر المتيقّن ثبوتُه لا يرتفع إلا بدليل قاطع، ولا يُحكم بزواله لمجرد الشك، وكذا الأمر المتيقّن نفيه لا يحكم بثبوته بالشك.
والقاعدة تؤكد أنه مهما طرأ الشك فإنَّ مردَّ الحكم إلى اليقين، ولا عبرة بالشك الطارئ، لأنَّ (اليقين لا يزول بالشك).
قال ابن عبدالبر: «هذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين من انتقالها».
دل عليها الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}.
ومن السنة: حديث عبدالله بن زيد قال: شُكى إلى النبي ﷺ الرجل يُخيَّل إليه أنَّه يجد الشيء في الصَّلاة؟ قال: «لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» متفق عليه.
قال النووي: «وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي: أنَّ الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقّن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها».
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ أَمْ لاَ فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رواه مسلم.
وأيضًا حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» رواه مسلم.
وأما الإجماع: فقال القرافي: «هذه قاعدة متفق عليها، وهي: أن كل مشكوك فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزم بعدمه». وقال ابن دقيق العيد: «كأن العلماء متفقون على هذه القاعدة، ولكنهم يختلفون في كيفية استعمالها».
* حقيقة الشكّ المذكور في القاعدة:
قال النووي: «اعلم أنَّ مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والصوم والطلاق والعتق وغيرها هو: التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء كان الطرفان في التردُّد سواء أو أحدهما راجحًا».
قلت: ولكن هذا ليس على إطلاقه، فإنَّ الراجح الذي ينبني عليه غلبة ظنٍّ معتبرٌ أحيانًا، وليس مطَّرحًا مطلقًا كما يفيده إطلاق النووي وغيره.
ولهذا قال ابن القيم: وهذا ينتقِض بصُوَر: منها: أن الإمامَ متى تردَّدَ في عدد الرَّكَعَات بنى على الأغلب من الاحتمالين. ومنها: أنَّه إذا شك في الأواني بنى على الأغلب في ظنِّه عند من يُجَوِّز له التَّحَري» انتهى المراد. وذكرَ جملةً من المسائل مما فيها خلاف.
- مَن تيقَّن مِن طهارةٍ ثمَّ شكَّ هل أحدثَ؟ لم يتلفتْ إلى الشكِّ عند الجمهور.
- ومَن تيقَّن الحدَث وشكَّ هل تطهَّر؟ بنى على الحدَث إجماعًا.
- مَن شكَّ هل عقدَ على امرأةٍ أجنبية بنى على عدم العقد. ولو شكَّ هل طلق امرأته بنى على أصل النكاح. ولا يَبني حُكمًا على الشكِّ في المسألتين.